الحلبي
240
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الجموح وابني عفراء : أي معاذ ومعوذ اشتركوا في قتل أبي جهل ، لأن معاذا الثاني ابن الحارث ، فكل من عمرو بن الجموح والحارث تزوج عفراء ، وكل سمى ولده منها بمعاذ . ويدل لذلك ما يأتي عن الإمتاع أنه صلى اللّه عليه وسلم قال « رحم اللّه ابني عفراء اشتركا في قتل فرعون هذه الأمة ، ولما قيل له : يا رسول اللّه من قتله معهما ، قال الملائكة ، ولم يقل عمرو بن الجموح » لكن رأيت بعضهم ذكر أن عفراء شهد لها بدرا سبع بنين ثلاثة من الحارث بن رفاعة ، وهم معوذ ومعاذ ، وعامر ، وأربعة من بكر بن عبد ياليل ، وهم خالد وأساس وعاقل وعامر ، واستشهد منهم ببدر معاذ ومعوذ وعاقل هذا كلامه ، وذكر عامر في الأول تقدم بدله ذكر عوف وهو واضح ، فقد تقدم أن عوف بن الحارث ابن عفراء قال « يا رسول اللّه ما يضحك الرب الخ » ولم يذكر هذا البعض أن من أولادها معاذ بن عمرو بن الجموح ، وهو يؤيد ما تقدم عن الحافظ ، وعن الإمام النووي ، فعليك بالتأمل . وقيل قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح . أقول : أي لكونه هو الذي أزال منعته فاستحق سلبه ، ولا ينافي ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم لهما « كلاكما قتله » لجواز أن يكون أتى بذلك ملاطفة للثاني وترغيبا له في الجهاد ، لأن له مشاركة ما في قتله ، لأنه زاد في إثخانه إلى أن صيره إلى آخر رمق . ويرده كونه صلى اللّه عليه وسلم أشركهما في سلبه ، ومن ثم قال فقهاؤنا : يعطي السلب لمن أثخن دون من قتل : أي بعد ذلك ، فقد أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سلب أبي جهل لمثخنيه ابني عفراء دون قاتله ابن مسعود ، لكن هذا القيل قال به بعض آخر من فقهائنا ، وهو الموافق لما في البخاري في كتاب فرض الخمس : معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ ابن عفراء قتلا أبا جهل ثم تنازعا فيه ، وذلك لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم نظر إلى السيفين فرأى فيهما أثر الدم فقال : كلاكما قتله ، وقضى بسلبه لمعاذ بن الجموح ، قال الأصحاب لأنه أثخنه والآخر جرحه بعده ، وقوله : كلاكما قتله تطييب لقلب الآخر هذا كلامه فليتأمل ، فإن الذي أظنه أن كونه رأى أثر الدم في سيفيهما خلط من الراوي لأن ذلك كان في قتل ابن الأشرف ، ويؤيد الخلط ما تقدم عن ابن مسعود أنه لم ير فيه أثر جراح داخل بدنه . وفي الإمتاع أنه صلى اللّه عليه وسلم قال « يرحم اللّه ابني عفراء فإنهما قد اشتركا في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر ، فقيل : يا رسول اللّه من قتله معهما ؟ قال : الملائكة ، وذففه ابن مسعود » وهذا السؤال يقتضي أن معنى قوله صلى اللّه عليه وسلم « إنهما قد اشتركا في قتل فرعون هذه الأمة » أن غيرهما شاركهما في ذلك ، فليتأمل . وفي شرح الروض وهو من أجل كتبنا أن عبد اللّه بن رواحة وابني عفراء تقاتلا مع أبي جهل مبارزة وأنه صلى اللّه عليه وسلم علم ذلك وأقره ؛ وجعلوا ذلك دليلا على إباحة مبارزة القوي لكافر لم يطلب المبارزة .